3.10.12
18.9.12
الرجل الذي
الرجل الذي يجلس الآن على أريكته المريحة
يقلب القنوات التليفزيونية الإخبارية. بينما يجلس كثيرون على أريكتهم كالجمر الملتهب.
ترتسم على وجهه ابتسامة ساخرة كلما سمع خبراً انتظره شهوراً. و تزداد كل ثانية عدد
الوجوه الغاضبة. يرتشف من كأس النبيذ بنشوة. وفي الجانب الأخر, استنشق البرئ أخر نفس
له من الدخان الأسود المتصاعد. ضحك بخلاعة أثناء كتابة رسالة تهنئة لشركائه. حين شقّت
صرخة شاب صدور الناس عندما أصيب برصاصة فتناثر دمه الفائر على الإسفلت. الرجل الذي
تقيأ الحقد الجاثم على صدره, و أوقد به صدور الملاين, ارتاح و تعبوا.
13.9.12
عقد احتراف- جريدة البديل
منذ عدة سنوات كنت أدرس بالجامعة الأمريكية لنيل شهادة الماجستير في علم الاجتماع و كنت أعمل كمساعد باحث في ذات الجامعة. لكن البروفيسور الأمريكي الذي بدا لي محايداً و محترفاً من خلال المراسلات التي تمت بيننا قبل وصوله لمصر, تبدل بعد لقاءنا الأول و صار يتهرب من المواعيد التي حددنا لها جدول مسبقاً, حتى الاتصالات الهاتفية لم يكن يرد عليها و في النهاية كتب تقريرا غير عادل عنى, كل ذلك لأني أرتدي الحجاب. تمنيت وقتها لو أعطاني فرصة واحدة لأظهر له أنى لست متخلفة و لا همجية و لا إرهابية كما يظن.
كلنا يهمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم, و كلنا نسعى للحفاظ على سيرته. لكننا لم نفكر يوماً كيف سنجعله يتباهى بنا يوم القيامة. فتزامن ذكرى الحادي عشر من سبتمبر مع انتشار خبر الفيلم المسيء للرسول عليه الصلاة و السلام, يجعلنا كمسلمين نشعر بالظلم. فلا نحن قمنا بتلك العملية الإرهابية و لا نبينا يستحق الإهانة.
عزيزي المسلم المتظاهر للدفاع عن نبيك, مبروك عليك عقد احتراف التخلف و الهمجية. للأسف تلك هي المعلومة التي بثتها وسائل الإعلام الغربية لنبدو كالحمقى أمام العالم, و السبب نحن. ففي الوقت الذي أنشغل بعض علمائنا عن الدعوة بلباس المرأة و حواجبها, و أنشغل بعض رجالنا عن العلم بتعدد الزوجات و ملك اليمين. كان الغرب يركض من دون كلل خلف ركب العلم و المعرفة.
فيلم تافه و ضعيف أنتجه بعض السفهاء المتطرفين, يجعلك تفكر كيف ترد الاعتبار لنبيك و هذا حق. لكن كيف؟ تحرق و تقتل و تذم أهل الكتاب ؟ أم تفكر ألف مره قبل أن تتصرف بانفعال؟ هل فكر أحد أن المجتمعات الغربية تتمتع بحرية التعبير حتى أنهم ينتجون أفلاماً مسيئة عن السيد المسيح و العذراء مريم؟ رغم أنى ضد هذا النوع من الأفلام لأنها ضد الحرية و مفهومها الحقيقي, لكن علينا فهم ثقافتهم و محاربة الفكر بالفكر و التصدي لهذا النوع من التطرف بالتمسك بأخلاق الرسول الكريم.
عزيزي المسلم حين حملك الغرب المسلمين مسؤولية حوادث إرهابية عدة أهمها "الحادي عشر من سبتمبر" شعرت بالإهانة و الظلم؟ لكن بعضنا بدأ يستخدم نفس الأسلوب حين ظلم المسيحيين و اليهود بكتابة عبارات غير لائقة على جدران السفارة الأمريكية بالقاهرة. أبشر كل من فعل ذلك أنه يساهم في أنجح المخطط المرسوم بعناية لتفكيك الوطن و تقسيمه و المتمثل في دعوات بعض المسيحيين في الاستقلال بجزء من مصر و التي يقابلها رغبة بعض المسلمين في إعادة مصر لعصر الخلافة الإسلامية.
أما حادثة طرابلس فهي أبشع من أن توصف و ستظل سبة على جبين العرب و المسلمين, لعن الله فاعلها و المحرض عليها.
وبدلاً من الدفاع عن رسول الله بالتظاهر الغير سلمى الذي صار عند البعض "خروجة روشة", فكروا كيف ننهض بالوطن, كيف يكون بيننا رجال دين, علماء, أدباء, و فنانين يدعون بشكل حضاري لسماحة الإسلام و يمثلون العرب أحسن تمثيل. و لا تردوا الإساءة بمثلها و تذكروا أن حبيبكم"عليه أفضل الصلاة و السلام" زار جاره اليهودي الذي كان يضع القاذورات أمام بيته حين كان مريضاً.
1.8.12
تلك الرائحة
كنت أفتش في ذاكرتي عن قصة أحكيها لطفلي قبل النوم.. لكني لم أعثر على اي من تلك الحكايات التي قضت أمي ليلاتها تقصها عليّ، بدت دماغي خالية من تلك القصص الطفولية الساذجة، بينما تلح على ذكريات طفولتي. هل سأكون انا بطلة قصة هذه الليلة؟ هل سأحكي لهُ عن ذلك اليوم الذي أفطرت فيه في نهار رمضان بسبب كعك العيد؟ واني كنت تلك البنت السيئة التي لم تستطع مقاومة روعة رائحته وهو طازج؟
كانت تلك المرة الأولى والأخيرة التي خبزت فيها أمي الكعك -حتى انني حين كبرت لم أستطع ان أردد يوماً كلمات درويش التي تلح على باستمرار «أحن لخبز أمي وقهوة أمي» لأنها كذلك لم تعد القهوة لي أبداً-. تعودنا ان ترسل لنا جدتي الكعك كل عام مع «عم عبدالناصر» الكُمساري.
قررت أمي ان تقدم على فعلتها تلك بمساعدة صديقتها نادية. يومها عدت من المدرسة فاذا بتلك الرائحة تتسلل الى انفي حتى صار من الصعب التخلص من رغبتي المتوحشة في أكل قطعة من كعك أمي. طلبت مني كالعادة ان أغير ملابسي والوضوء لألحق بصلاة الظهر قبل ان يحين موعد العصر. فعلت تماماً ما طلبته مني.. لكن رائحة الكعك كانت مسيطرة على فكري، كيف سأنتظر حتى يحين موعد آذان المغرب وانا التي تعشق حلوى العيد.. ملابس العيد لا تعنيني كما أهتم لتلك اللحظة التي ألتقي فيها مع أول قضمة من ذلك الشيء الذي يذوب في الفم، طعم الزبد الممزوج بالسمسم المحمص والدقيق والسكر.. يا الله.
تسللت الى غرفة الطعام -بينما كانت أمي مشغولة عني بصلاة العصر- حيث تضع الصواني، مددت يدي وأخذت واحدة بسرعة فائقة.. قضمتها في لهفة وبعد لحظة جحظت عيوني وصرت أمضغها ببطء شديد. لا أريد ان ابتلعها.. لا أريد. فأنا أكره تلك النكهة التي وضعتها أمي في الكعك. وقتها ظننت انه عقاب الله، ولم أفكر ان صديقتها ربما هي التي أشارت عليها فأضافت «ماء الزهر» للعجين.
حانت ساعة الحكي.. مازلت مترددة كيف سأحكي لهُ عن فعلتي تلك، لكنني حين جلست بجوار سرير صغيري بينما شباك الغرفة مفتوح أمامي.. بدا لي القمر بدرا، فوجدتني أحكى لهُ عن الشمس أخت القمر التي تذهب للنوم مبكراً، وترسل له اشاعتها، ليضئ ليلنا الحالك.
كانت تلك المرة الأولى والأخيرة التي خبزت فيها أمي الكعك -حتى انني حين كبرت لم أستطع ان أردد يوماً كلمات درويش التي تلح على باستمرار «أحن لخبز أمي وقهوة أمي» لأنها كذلك لم تعد القهوة لي أبداً-. تعودنا ان ترسل لنا جدتي الكعك كل عام مع «عم عبدالناصر» الكُمساري.
قررت أمي ان تقدم على فعلتها تلك بمساعدة صديقتها نادية. يومها عدت من المدرسة فاذا بتلك الرائحة تتسلل الى انفي حتى صار من الصعب التخلص من رغبتي المتوحشة في أكل قطعة من كعك أمي. طلبت مني كالعادة ان أغير ملابسي والوضوء لألحق بصلاة الظهر قبل ان يحين موعد العصر. فعلت تماماً ما طلبته مني.. لكن رائحة الكعك كانت مسيطرة على فكري، كيف سأنتظر حتى يحين موعد آذان المغرب وانا التي تعشق حلوى العيد.. ملابس العيد لا تعنيني كما أهتم لتلك اللحظة التي ألتقي فيها مع أول قضمة من ذلك الشيء الذي يذوب في الفم، طعم الزبد الممزوج بالسمسم المحمص والدقيق والسكر.. يا الله.
تسللت الى غرفة الطعام -بينما كانت أمي مشغولة عني بصلاة العصر- حيث تضع الصواني، مددت يدي وأخذت واحدة بسرعة فائقة.. قضمتها في لهفة وبعد لحظة جحظت عيوني وصرت أمضغها ببطء شديد. لا أريد ان ابتلعها.. لا أريد. فأنا أكره تلك النكهة التي وضعتها أمي في الكعك. وقتها ظننت انه عقاب الله، ولم أفكر ان صديقتها ربما هي التي أشارت عليها فأضافت «ماء الزهر» للعجين.
حانت ساعة الحكي.. مازلت مترددة كيف سأحكي لهُ عن فعلتي تلك، لكنني حين جلست بجوار سرير صغيري بينما شباك الغرفة مفتوح أمامي.. بدا لي القمر بدرا، فوجدتني أحكى لهُ عن الشمس أخت القمر التي تذهب للنوم مبكراً، وترسل له اشاعتها، ليضئ ليلنا الحالك.
*تم نشر هذه القصة بجريدة النهار الكويتية
14.7.12
العزف على وتر الروح
أجدنى أحياناً متلبسة بالعزف على الهواء حين أسمع لحناً يأسر أذني و يجبرني على الإنصات..وقتها أدرك أن نوبة حنين للعزف على آلة "الأورج" خاصتى قد باغتتني و أنني لن أستطيع أن ألبى نداء روحي و أعزف.
أحن للعزف الذي انقطعت عن ممارسته تماماً منذ وصولي لمرحلة الثانوية العامة, رغم أني كنت قد بدأت بالفعل التدريب على آلة الجيتار و الأوكورديون و الكمان, فالعزف على آلات موسيقية مختلفة كان شغفي. لكنى انشغلت عن ممارسة هوايتي بالدراسة ثم العمل.
والدتي هي أول من أكتشف موهبتي حين عزفت مقطع من أغنية "أنت عمري" لكوكب الشرق أم كلثوم و لحن العملاق محمد عبد الوهاب على آلة "الأورج" البيضاء التي أهداها لها ولدى عندما عاد من رحلة الحج..ففوجئت بي أعزف ذات المقطع مع بعض الأخطاء البسيطة, كان عمري حينها خمس سنوات تقريباً. يبدو أنها أدركت أنى أمتلك أذن موسيقية فاتفقت مع أبى على أن أتعلم فن العزف على يد أستاذ متخصص. ليس هذا وفقط بل كنت أذهب لقصر الثقافة و لمركز الشباب لنفس السبب. حتى أنى قد التحقت بالمدرسة و أنا أجيد العزف على آلة "الأورج" إجادة تامة.
بفستاني الستان الأزرق ذو الحزام الأبيض صعدت يوماً على خشبة مسرح قصر ثقافة مدينة أسوان -كان حفل عيد الطفولة أو ربما عيد الأم فمشاركتي في حفلات المدرسة كان أمراً تلقائياً- بعدما قدمني مذيع الحفل قائلاً "ذات الأصابع الذهبية", حانت لحظة مواجهة الجمهور.. لأعزف لهم مقطوعات موسيقية في فقرة فردية. كنت بالكاد أصل "للأورج" لأنني أقصر من الأرجل المصنوعة من مادة الأستانلس الخاصة بالآلة..فاستدركت إدارة المدرسة هذا الأمر فيما بعد و صاروا يضعونه على منضده خشبية قصيرة لأتمكن من العزف دون أن أضطر للوقوف على أطراف أصابعي كالباليرينا. أعتدت كذلك أن أشترك مع زملائي في العزف لكورال المدرسة, وكثيراً ما شعرت بالتوتر لأن على أن أبدل ملابسي في دقائق معدودة فأخلع الفستان و أرتدي الزى المخصص للفرقة الموسيقية, أذكر ذلك الطاقم المكون من بلوزة بيضاء و تنورة بلون النبيذ.
أحن لتلك اللحظات التي كنت أمضيها لتدرب على المقطوعات الموسيقية و كيف أنني كنت أفضل أحياناً أن أستخدم "الأورج" الأحمر الخاص بأخي لأنه كان يتميز عن خاصتى بإمكانية التسجيل..كنت أضغط على زر التسجيل لأشغله بينما تكون أمي بعيدة من باب العند لأنى لا أحب أن أمارس ما أحبه تحت ضغط. وكنت أقنعها بأنني لا أجد السلك الكهربائي الذي يخص آلتي و أن البطاريات لا تعمل..كنت أظن أنى أذكى منها و اكتشفت في ما بعد- حين قررت أن أعترف لها منذ عدة سنوات- أن أمي تعرف حقيقة أفعالي. لم تكن تلك المرة الأولى التي أكتشف فيها أن كل محاولاتي و ألاعيبي –الطفولية- كانت مكشوفة و أنى الوحيدة التي تمارس فعل "الهبل".
أحن لآلة "الأكورديون" التي أشتراها لي أبى حين نجحت في الصف الخامس الأبتدائى..تلك الآلة التي كانت أكبر من جسدي الصغير و رغم ذلك كنت أحملها كالأم التي تحمل وليدها.
كثيراً ما أقلب ألبوم صوري..و أتذكر تلك الأيام البريئة الخالية من أية مسئولية سوى أن أعزف مقطوعتي دون أن أرتبك..دون أن أخطئ, فقط كان على الالتزام برتم اللحن. وفى تلك الصور كان يظهر معي مدرس الموسيقى. أذكر أستاذ عادل, أستاذ على, أستاذ هشام, أستاذة أمل رحمة الله عليها و أستاذة مارى..أذكر كل من علموني كيف أعبر عن ما بداخلي عن طريق الموسيقى..كيف أمليء الدنيا ألحان و نغمات تسمو بالروح و تدعو للتأمل و الفرح.
ربما تلك هي المرة الأولى التي سأشكر فيها أبى و أمي لأنهما حين اكتشفا موهبتي لم يدخروا أي شئ..أمي التي أهلكتها بالذهاب معي للتدريب و أبى الذي بذل مالاً كثيراً للمدرس – الخصوصى- الذي ظل يأتي إلى البيت لمرتين في الأسبوع. شكراً لأنكما كنتما السبب لأكتشف ذاتي.
أحن للموسيقى التي لم يبقى لي منها سوى الاستماع إليها.
مقالى بملف "الحنين ..ذاكرة الوجود" مجلة الثقافة الجديدة عدد يوليو 2012
Subscribe to:
Posts (Atom)

